أحمد بن محمد القسطلاني

167

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

في الحرمة باليوم والشهر والبلد لاشتهار الحرمة فيها عندهم ، وإلاّ فالمشبه إنما يكون دون المشبه به ، ولهذا قدّم السؤال عنها مع شهرتها لأن تحريمها أثبت في نفوسهم ، إذ هي عادة سلفهم وتحريم الشرع طارئ ، وحينئذ فإنما شبه الشيء بما هو أعلى منه باعتبار ما هو مقرر عندهم ( ليبلغ الشاهد ) أي الحاضر في المجلس ( الغائب ) عنه ولام ليبلغ مكسورة فعل أمر ظاهره الوجوب وكسرت غينه لالتقاء الساكنين ، والمراد تبليغ القول المذكور أو جميع الأحكام ( فإن الشاهد عسى أن يبلغ من ) أي الذي ( هو أوعى له ) أي للحديث ( منه ) صلة لأفعل التفضيل وفصل بينهما بله للتوسع في الظرف ، كما يفصل بين المضاف والمضاف إليه كقراءة ابن عامر زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم بضم الزاي ورفع اللام ونصب الدال وخفض الهمزة ، والفاصل غير أجنبي . واستنبط من الحديث أن حامل الحديث يؤخذ عنه وإن كان جاهلاً بمعناه وهو مأجور بتبليغه محسوب في زمرة أهل العلم . وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة ، ورواته كلهم بصريون ، وأخرجه المؤلف في الحج والتفسير والفتن وبدء الخلق ، ومسلم في الديّات ، والنسائي في الحج والعلم . 10 - باب الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ } فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ ، وَرَّثُوا الْعِلْمَ ، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ . وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } وَقَالَ : { وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ } . { وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ } . وَقَالَ : { هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ » . وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ . وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ : لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ - ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَىَّ لأَنْفَذْتُهَا . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ) حُكَمَاءَ فُقَهَاءَ عُلَمَاءَ . وَيُقَالُ : الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ . هذا ( باب ) بالتنوين وهو ساقط في رواية الأصيلي ( العلم قبل القول والعمل ) لتقدمه بالذات عليهما لأنه شرط في صحتهما إذ إنه مصحح للنيّة المصححة للعمل ، فنسبه المؤلف على مكانة العلم خوفًا من أن يسبق إلى الذهن من قولهم لا ينفع العلم إلا بالعمل توهين أمر العلم والتساهل في طلبه ( لقول الله تعالى ) وللأصيلي عز وجل { فاعلم } أي يا محمد ( أنه لا إله إلاّ الله فبدأ ) تعالى ( بالعلم ) أوّلاً حيث قال : فاعلم ثم قال : واستغفر إشارة إلى القول والعمل ، وهذا وإن كان خطابًا له عليه الصلاة والسلام فهو يتناول أمته أو الأمر للدوام والثبات كقوله : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ } [ الأحزاب : 1 ] أي دُم على التقوى ، ( وأن العلماء هم ورثة الأنبياء ) بفتح همزة أن عطفًا على سابقه أو بكسرها على الحكاية ( ورثوا ) بتشديد الراء المفتوحة أي الأنبياء أو بالتخفيف مع الكسر أي العلماء ورثوا ( العلم من أخذه أخذ ) من ميراث النبوّة ( بحظ وافر ) أي بنصيب كامل ، وهذا كله قطعة من حديث عند أبي داود والترمذي وابن حبّان والحاكم مصححًا من حديث أبي الدرداء ، وضعفه غيرهم بالاضطراب في سنده ، لكن له شواهد يتقوّى بها ومناسبته للترجمة من جهة أن الوارث قائم مقام المورث فله حكمه فيما قام مقامه فيه . ( ومن سلك طريقًا ) حال كونه ( يطلب به ) أي السالك ( علمًا سهل الله له طريقًا ) أي في الآخرة أو في الدنيا بأن يوفّقه للأعمال الصالحة الموصلة ( إلى الجنة ) أو هو بشارة بتسهيل العلم على طالبه لأن طلبه من الطرق الموصلة إلى الجنة ، ونكر علمًا كطريقًا ليندرج فيه القليل والكثير وليتناول أنواع الطرق الموصلة إلى تحصيل العلوم الدينية . وهذه الجملة أخرجها مسلم من حديث الأعمش عن أبي صالح والترمذي وقال : حسن ، وإنما لم يقل صحيح لتدليس الأعمش ، لكن في رواية مسلم عن الأعمش حدّثنا أبو صالح فانتفت تهمة تدليسه . وفي مسند الفردوس بسنده إلى سعيد بن جبير قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " ارحموا طالب العلم فإنه متعوب البدن لولا أنه يأخذ بالعجب لصافحته الملائكة معاينة ولكن يأخذ بالعجب ويريد أن يقهر من هو أعلم منه " . ( وقال ) الله ( جل ذكره ) وفي رواية جل وعز : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّه } أي يخافه { مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } [ فاطر : 28 ] الذين علموا قدرته وسلطانه ، فمن كان أعلم كان أخشى لله ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام : " أنا أخشاكم لله وأتقاكم له " . ( وقال ) تعالى : { وما يعقلها } أي الأمثال المضروبة وحسنها وفائدتها { إِلَّا الْعَالِمُون } [ العنكبوت : 43 ] الذين يعقلون عن الله فيتدبرون الأشياء على ما ينبغي . وقال تعالى حكاية عن قول الكفار حين دخولهم النار : { وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ } أيّ كلام الرسل فنقبله جملة من غير بحث وتفتيش اعتمادًا على ما لاح من صدقهم بالمعجزات { أَوْ نَعْقِلُ } فنفكر في حكمه ومعانيه تفكر المستبصرين { مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ } [ الملك : 10 ] أي في عدادهم وفي جملتهم . ( وقال ) تعالى { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } [ الزمر : 9 ] قال القاضي ناصر الدين